نخبة من الأكاديميين
392
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ومارسه في نصه ومقالته ورسالته ، وكما يبدو في مواقفه تجاه الحكام ، تحريضاً كما هي الحال في موقفه من شاه إيران ، أو إقناعاً بالإصلاح كما هي حال موقفه من السلطان العثماني . ب - مدخل إقامة الدولة الدستورية ، المرتكزة على مبدأ الشورى ، وهو المدخل الذي شدّد عليه المفكرون والفقهاء الدستوريون المطالبون بالحرية وتقييد الحاكم بموجب دستور ( المشروطة ) . وهؤلاء على اختلاف مراحلهم وانتماءاتهم القومية والمذهبية اجتمعوا حول مبدأ أن الديمقراطية البرلمانية ممثلة الأمة تساوي الشورى وأن صيغة أهل الحل والعقد تساوي صيغة البرلمان ، وأن الاستبداد السلطاني في الشرق دخيل على الإسلام وإن تستّر خلف فقهاء وعمائم . إنه عند عبد الرحمن الكواكبي وحسين نائيني " استبداد ديني " وهو أخطر من الاستبداد السياسي بل هو شرطه ، وهو عند رشيد رضا انحراف في الفقه وتواطؤ بين السلطات والفقهاء الحشوية . وتبدو ازدواجية المرجع الحضاري في التبرير الشرعي لهذه الدعوة الدستورية في الموقفين التاليين : في رد رشيد رضا على قارىء يبعث برسالة إلى المنار يؤكد فيها على مرجعية الإسلام وحده في الإصلاح . يقول رضا عام 1907 : " ولا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم هو أصل من أصول ديننا فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين ، ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين ، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام ، ولكان أسبق إلى الدعوة لإقامة هذا الركن علماء الدين في الآستانة وفي مصر ومراكش وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤكد حكومة الأفراد الاستبدادية ويعد من أكبر أعوانها . . . إنني لا أنكر أن ديننا يفيدنا ذلك . . . ومع هذا كله إننا لولا اختلاطنا بالأوروبيين لما تنبهنا من حيث نحن أمة أو أمم إلى هذا الأمر العظيم ، وإن كان صريحاً جلياً في القرآن الحكيم " « 1 » . وفي عام 1909 يعود فيؤكد بصورة متوازية على أهمية المرجعية الإسلامية والتحدّي الأوروبي معاً : " أما قوله ( أحدهم ) إن الأخذ بالأسباب والعمل بمقتضى السنن الطبيعية وانطباق ذلك بحسب اجتهادنا على القرآن لم يكثر ولم ينتشر عند بعض المسلمين إلّا بسبب ما رأوه من تقدم الأمم الغربية ، باتباع هذه السنن ، وسبب ضغط أوروبا على الكثير منهم ، فهو صحيح في الجملة ولا يضرّنا أن ( تنبهنا ) حوادث الزمن للعمل بما يرشدنا إليه القرآن وأن نفهم منه ما لم نكن نفهمه نحن ولا آباؤنا الأولون " « 2 » . هذا الموقف الذي لا نلمس فيه أي حرج لدى الفقيه في أن يفهم الهدي القرآني اجتهاداً يتناسب مع العمل بمقتضى السنن الطبيعية والعلوم الوضعية ، نلمسه أيضاً عند فقيه آخر من مذهب الإمامية . موقف الفقيه حسين نائيني : يدعو هذا الموقف إلى اعتماد الصيغة الدستورية في الحكم والعمل السياسي في إيران ( إبان الثورة على الشاه من أجل تطبيق المشروطة أي الدستور بين 1906 - 1911 ) . يشن حسين نائيني هجوماً عنيفاً على المؤسسة الدينية التي يسميها " شعبة الاستبداد
--> ( 1 ) . رشيد رضا " منافع الأوروبيين ومضارهم " المنار ، حزيران يونيو 1907 . أوردنا النص كاملًا في كتابنا : وجيه كوثراني ، مختارات سياسية من مجلة المنار ، بيروت ، دار الطليعة ، 1980 ، ص 23 - 24 . ( 2 ) . المرجع نفسه ص 22 .